أهم الأخبارالمجتمع اليوم

دكتورة نجلاء حافظ تكتب عن : دورالمجتمع المدني في إصلاح التعليم : قراءة في التجربة اليابانية

تعد قضية إصلاح التعليممن أهم المشكلات في مصر ، والحق يقال أن العلماء والمفكرين قد أدركوا أهمية قضية التعليم في النهوض بالمجتمع منذ أكثر من مائة عام وخصوصاً بعد افتتاح الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً) عام 1908 ، وقد أولى المفكرين العظام إهتماماً جلياً لقضية إصلاح التعليم في مصر ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر ما قاله عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في كتابه ” مستقبل الثقافة في مصر” (1938)، والذي أولى أهمية بالغة لقضية إصلاح التعليم كوسيلة أساسية للحاق بركب الحضارة الحديثة ،  ووضع فيه دستوراً وخطة عمل في إصلاح التعليم الأولي والثانوي والعالي وإصلاح المقرارات الدراسية والإهتمام بتعليم اللغات الأجنبية والتعليم الديني الأزهري وأهمية إعداد المعلم ، ومن اللافت للنظر هنا أنه حذر من خطورة الإزدحام والتكدس في الفصول بمراحل التعليم المختلفة وهي المحنة المزمنة التي تواجهنا حالياً وتهدد التعليم المصري بالفشل الزريع ، وينبغي مواجهتها ووضع الحلول السريعة لها من خارج الصندوق

ولا ينال في ذلك تجربة محمد علي باشا الفريدة في إصلاح التعليم المصري على غرار النظم الأوربية الحديثة وهي التجربة التي لها ما لها وعليها ما عليها ، ومن أهم ما نذكره في هذا الصدد عن هذه التجربة الفريدة هي أنها كانت سابقة لجميع البلدان الأخرى في هذا المجال وكانت نبراساً اقتضت به دول عديدة منها اليابان نفسها التي أرسلت العديد من الوفود بدءاً من نهاية القرن التاسع عشر للتعرف والإستكشاف والإقتضاء بالتجربة المصرية في تحديث المجتمع المصري وكان من أولوياتها قضية إصلاح التعليم باعتباره عماد بناء الأمم

التفتت اليابان إلى قضية إصلاح التعليم على النظم الحديثة منذ إصلاحات عصر ميجي عام 1869 ، ووضع مفكريها هذه القضية على قمة الأولويات فتأسست وزارة التعليم (منبوشو) عام 1885 ، وتم اصدار مرسوم التعليم عام 1990 ، متواكباً مع افتتاح جامعة طوكيو الإمبراطورية عام 1893.

وأطرح هنا سؤالاً هاما كيف استطاعت اليابان إصلاح التعليم منذ بداية عصر ميجي حتى وقتنا هذا في مجتمع زراعي كان يعاني من انعدام الموارد الطبيعية ، وزيادة في عدد السكان الذي كان يبلغ حوالي 35 مليون نسمة عام 1872 ، وهو عدد سكان مرتفع بالمقارنة بمصر الذي بلغ حوالي 5 ملايين نسمة في ذات الفترة. 

أحاول هنا بإيجاز توضيح جانب خفي في تلك المسألة وهو إبراز حرص الحكومات اليابانية المتعاقبة على تعزيز دور المجتمع المدني في القيام بدوره المنوط به في التنمية المحلية وعلى رأسها إصلاح التعليم. هناك تعريفات عديدة للمجتمع المدني ، ويهمني هنا أن استخدام تعريفاً لجماعات المجتمع المدني كما شاهدتها بنفسي في اليابان بأنها جماعات تطوعية صغيرة العدد تتشكل من داخل كل مدينة أو مركز أو قرية ، ومسجلة في المجالس المحلية وفقاً للدور الذي تقوم به فيداخل المنطقة السكنية ،ويسند لها مهمة التعاون مع المجالس والهيئات التنفيذية المحلية ويتم اسناد أدوار محددة لها من قبل الهيئة المحلية ، نذكر منها على سبيل المثال عمل حصر لجميع الأطفال الذين يبلغون سن الدخول للتعليم الإلزامي واتباع سياسة زيارة عائلة الأطفال المقبلين على دخول المرحلة التعليمية الأولى  لسؤالهم عن المدرسة التي يرغبون بإلحاق الطفل بها سواء إن كانت حكومية أو تعليم خاص ، وإرشاد تلك العائلات في إختيار المدرسة المناسبة لطفلهم وفقاً لظروف كل أسرة على حدة ، إلى جانب القيام بالتوعية اللازمة لعائلة هؤلاء الصغار بكيفية التعامل مع الطفل وتأهيله نفسياً وبدنياً لدخول هذه المرحلة ، ولا يقتصر دورهم على ذلك فحسب ولكن يستمر هذا الدور في المتابعة والمراقبة للمدارس نفسها والمشاكل السلوكية للأطفال داخل المدرسة ، وكيفية تغلب إدارة كل مدرسة والمعلمين لديها على تلك المشكلات ، مثل مشكلة التسرب من المدرسة ، والتنمر والتوحد والعنف بين الأطفال وضعف قدرة الطفل على الإستيعاب ، يتم كل ذلك من خلال مجموعات عمل صغيرة جدا تبلغ على الأكثر ثلاثة أفراد يقومون بعملهم من خلال خطة عمل يضعونها بأنفسهم من خلال التشاور مع المسئول المحلي عن المدارس بالمدينة أو المركز ، يسخرون من وقتهم ساعة واحدة يومياً للقيام بدورهم التطوعي في منطقتهم السكنية وبالقرب من منازلهم الذي يعيشون بها. ومقابل هذا العمل التطوعي هناك حوافز عينية يقدمها لهم المجلس المحلي ، مثل تخفيض ضرائب السكن Juminzei ، وغيرها من الحوافز التي تشجع الأفراد المحليين على الإقبال على مثل هذه الأعمال التطوعية ، ناهيك أن العلاقات المباشرةلهذه الجماعات التطوعية مع صانعي القرار في المجالس والهيئات التنفيذية المحلية تكون حافزاً لهم في تسهيل بعض أعمالهم الشخصية

ساهمت هذه المجموعات المحلية التطوعية ChiikiPurantyaDantai في التغلب على العديد من المشكلات التي تواجه التعليم الإلزامي في اليابان ، وعلى رأسها مشكلة التسرب من المدارس ، وزيادة الوعي الأسري بأهمية التعليم في بناء شخصية الطفل ، والأهم من ذلك قيامهم بدور فعال كهمزة وصل بين أفراد المجتمع المحلي وصناع القرار في المجالس المحلية المختلفة ، يتمكن من خلالها صناع القرار الذين لا يجدون الوقت الكافي للتفاعل بأنفسهم مع المشكلات الحياتية للمواطنين ، تساعدهم هذه الجماعات على الإلمام باحتياجات المواطنين ووضع الخطط والحلول الفعالة لتلبية تلك الحاجات ، كل ذلك يحدث على مستوى المحليات الصغيرة وعلى نطاق ضيق ومتخصص جداً Micro Level ، مما يؤتي مفعول السحر في القضاء على مشكلات المدراس في كل منطقة أو محلية على حدة

وأخلص مما تقدم إلى نتيجة مؤداها أن قضية إصلاح التعليم في مصر التي تشغل بال جل المجتمع المصري ، غالباً ما يتم التفكير في حلها من خلال مستويات فوقية ، وأعني رئاسة الجمهورية ، ووزارة التعليم ، في حين أن هذه المسألة ينبغي مواجهتها من خلال مستويات المحليات في مجالس المحافظة والمدينة والمركز والقرية ، وهي الهيئات التي تتبعها إدارياً الإدارات التعليمية والأبنية التعليمية والمدارس

وفي النهاية أتقدم بهذا المقال كمقترح قابل للتنفيذ إلى معالي السيد الدكتورمحافظ القليوبية ، لمحاولة تطبيقة في بعض المدن والقرى بالمحافظة

والمقال القادم بإذن الله سوف يكون حول التجربة اليابانية في الحد من الزيادة السكانية في القرن العشرين وكيفية نجاحها

د/نجلاء حافظ أستاذ مساعد قسم اللغة اليابانية وآدابها كلية الآداب جامعة بنها

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق