غير مصنف

الدكتور ناصر القرنفلي يكتب : كورونا…. لن يموت!! الرباعي المرعب.

إن الأحداث التي نمر بها من انتشار وباء فيروس كورونا الذي انتشر في جميع أنحاء العالم،وتخطي حاجز المليونين إصابة ويزيد -حتى هذه اللحظة- انعكست آثاره على الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية؛ والكارثة الكبرى امتزاج هذا الفيروس الوبائي مع الرباعي الجهل والفقر والمرض وغياب الوعي، وتأثير ذلك على العلاقات الاجتماعية، والمعايير الأخلاقية بل والقيم الإنسانية….

لاشك أن الخوف والقلق من صفات الإنسان، ولا حرج من تعبيرك عن خوفك أو قلقك من الإصابة بالمرض، أو حتى العدوى من الأخرين، فهذا ابتلاء من الله، “وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ” البقرة:155،  لكن عندما يتحكم في سلوكنا هذا التفكير المتدني واللامنطقي واللاأخلاقي في التعامل مع تلك الجائحة المحاطة بتلك الأربعة الشداد… فلن يموت فينا…كورونا…!!!!

يقول “جون لوك” ” لطالما أعتقد أن أفعال الرجال أفضل ما يعبر عن أفكارهم” وما عبر به بعض الناس عن أفكارهم نحو هذا الوباء؛ لتصيب نياط القلب بالحسرة والحزن: منهم من رفض دفن طبيبة توفيت في ميدان مداواة المرضى؛ خوفا من العدوى!!والأدهى أنهم اجتمعوا على ذلك دون خوف من تناقل العدوى فيما بينهم!!!ومنهم منرفض مساعدة رجل في حمل أمه توفيت بالفيروس؛لإتمام دفنها!! ومنهم من يتهافت على السلع لتخزينها وقت الأزمات!! ومنهم من يرفع الأسعار؛ استغلالاً للجائحة بلا رحمة ولا شفقة!! ومنهم من ينظر إليك بترقب وخوف، ومنهم من يسخر ويهزأ كأنه لاهـي عن الحكمة الإلهية!!

وبكل ألم…. هل علمت معاناة وشعور مريض كورونا؟….سأخبرك….. بما ورد على ألسنة ممن تعافى منهم: يقول أحدهم “لقد ذهبت إلى باب الجحيم ثم عدت“، ويقول آخر”رأسي كادت تنفجر وعظامي تتحطم“….. أيهاالجهول ممن يرفض دفن طبيبة بالقرية؛ خوفاً من العدوى،هل تعلم كم عانت وتألمت؟ عانت مرتين: مرة من أجلك، والأخرى بالمرض.. فهل ماتت القلوب في الصدور،بعد أن غابت العقول في الرؤوس!!!

إن تلك السلوكيات الأنفة ليست عامة؛  لكنها تحمل مؤشرات لم ترق لمستوى الأدلة القاطعة على افتقاد البشرية أدميتها والإنسانية أخلاقها و قيمها،وهذا ما يحملنا على دق أجراس الخطر لتلك الأزمة الأخلاقية…

إن الجهل المطبق علينا قد يكون من ثقافة المجتمع السلبية تجاه العلم، والرؤية الضبابية للمنهج العلمي في حل المشكلات، وأساليب التقييم للمستوى العلمي….الخ، وقد حملالقرآن الناس على التعلم في أول آياته ” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” (1العلق). وجعل النبي صلى الله عليه وسلم فداء الأسرى بتعليم الغلمان….وكما ذكر “سارتون” ” أن الحضارة الغربية كان مفتاحها الوحيد لغة العرب التي ملًكتهم ناصية العلم والتقنية“.. ونناشد الأن “لنعد لمجدنا كما كنا، نحمل منارات العلم لكل الدنيا”….

أما عن الفقر فهذا نتاج الجهل وقرين المرض، فقد وطأ الفقر بأقدامه أعناق الكثير من البشر والدول؛ مما دفع بعض الناس للاستغلال والسرقة والرشوة وبيع الضمير والاحتكار!! خاصة وقت الأزمات، ونقيض الفقر الغنى ولن يتحقق إلا بالعمل، والتخطيط الاقتصادي السليم، وإعادة التوازن لمعدلات الدخل؛ مما يغني ولا يطغي، والحفاظ على المال العام، وإخراج الزكاة بكل أنواعها، والحث على الصدقات، والأعمال التطوعية….

أما عن المرض فقد حث الإسلام على الحفاظ على الصحة، وأن العقل السليم في الجسم السليم، فحقيقة التوكل على الله لا تتنافى أبداً مع الأخذ بالأسباب، فكم من مريض مات بالإهمال وعدم الأخذ بأسباب التعافي، وإن وقع المرض أو الوباء؛فللمريض حقوق منها:عيادته بالسؤال عنه، وتقديم يد العون، وعدم السخرية من مرضه، أو إدامة النظر إليه بأسف وحزن؛ مما يجرح مشاعره، وكما قال النبي صل الله عليه وسلم ” لا تديموا النظر للمجذومين ” رواه ابن ماجه.

وبيت القصيد “غياب الوعي” ونشير بهإلى الحالة التي يتصف بها بعض الناس من افتقار للفهم السليم، والفكر المستنير، والإدراك الواضح، والبصيرة النيرة،  التي تقوم على قناعات أخلاقية، وشعور يقظ بالمسؤولية الذاتية تجاه النفس والآخرين؛ فالوعي -هنا – وعي أخلاقي في المقام الأول، وقد يكون غياب الوعي أساس لكافةالأزمات، فما نمر به اليوم من ظروف وبائية أظهرت بجلاء حجم الوعي الأخلاقي لدينا!!!!….

فخلق المروءة….من أهم أخلاقيات الإنسان لا يحتاج أن تكون متعلما قدر أن تكون واعياً،فعلى الرغم من آفات المرض والفقر والجهل الذي يعيشه كثير من الناس وامتزاجه بمعاناة الحالة الوبائية التي يمر بها البشر الأنفلا يعادل ذلك غياب الوعي والافتقار إلى الأخلاق–عامة- والمروءة –خاصة-  فكما يقولون “من كانت رجولته كاملة فمروءته حاضرة” وقد قال الشافعي ” لو علمت أن شرب الماء البارد ينقص من مروءتي ما شربته” فالمروءة بذل الندى، وكف الأذى، وكما قال النبي صل الله عليه وسلم ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” رواه مسلم،  ومن أسباب ضياع خلق المروءة بين الناس: نقص الوازع الديني، وضياع الحياء، وثقافة المجتمع التي تجنح للسلبية، وذهاب العقل، وغيرها…

وجدير بالذكر أن للإعلام دوراً خطيراً في نشر الوعي وثقافة التعامل مع الأزمات وزرع القيم والأخلاقيات في نفوس الأطفال والشباب… ونأمل في إعادة الوعي بمكانة العلم والبحث العلمي، والعمل والإنتاج، والرعاية الصحية، ويتحقق ذلك بالمعلم والطبيب والاقتصادي والإعلامي متعاونين؛ لنتحول من الجهل للعلم، ومن المرض للصحة، ومن الفقر للغنى، ومن غياب الوعي لثقافة الأخلاق الواعية… ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ  وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة: 2.

ولنعلم إن لم تتغير أفكارنا ومشاعرنا ومن ثم سلوكياتنا في مثل تلك الظروف التي نمر بها من وباء وغلاء فلن نتغير أبداً ولن يموت فينا كورونا!!!! ….”إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ“الرعد:11 فالإيمان والتقوى والتوبة والتضرع والخوف من الله والأخذ بالأسباب مخرجنا جميعاً من هذه الضائقة…”وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” الأعراف:96.

ولا يغيب عنا ذكر…من تعاملوا مع تلك الأزمة بتعاون وتضحية من شباب ورجال ونساء، تجلت صوره في التطوع، ومد يد العون لكل محتاج والشعور بالمريض والفقير، والمسارعة لإغاثة المحتاج والملهوف، والتضحية بالجهد والمال والنفس،  فلازال الخير في هذه الأمة يلقي بظلاله إلى يوم القيامة إن شاء الله…

ندعوا الله سبحانه أن يرفع عنا ما نحن فيه وأن يحفظ بلادنا والبشرية جمعاء من كل مكروه وسوء….

د. ناصر القرنفلي

باحث نفسي

وزارة التربية-  دولة الكويت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق