مقالات

الدكتور ناصر القرنفلي يكتب : صحتنا النفسية في زمن “الكورونا” ( 5 ) والأخيرة

استكمالا لما بدأناه في الحلقات الأربعة السايقة… من تأثير فيروس كورونا على صحتنا النفسية وعلاقة الأوبئة والأمراض المعدية بالصحة النفسية، وبعض الاستراتيجيات النفسية للتغلب على تداعيات فيروس كورونا النفسية  كضرورة الاهتمام بالطفل، والتزام الهدوء، والبعد عن التوتر، وإعادة الهيكلة المعرفية لأفكارنا حول مفهوم العدوى وما يلحلقها من توتر وقلق، واعتبار هذه الفترة هي فترة مؤقتة وستمر بخير إن شاء الله، والتخطيط للمستقبل القريب، وبث الطمأنينة، وممارسة الاسترخاء، والتنفس العميق كممارسة يومية، والحفاظ على الصحة العامة، وتعديل سلوك الطفال باستخدام استراتيجيات تعديل السلوك المختلفة، وممارسة الهوايات المفضلة واستحداث هوايات جديدة تناسب الفترة الحالية، المساعدة في ترتيب أعمال المنزل، وتنظيم الوقت، وعدم التوقف عن التعلم أبداً، واللجوء والتضرع إلى الله عز وجل، واستكمال المتابعة النفسية إن كنت ممن يعانون من أي اضطراب نفسي كالقلق والاكتئاب والوساوس وغيرها وعدم التردد في طلب الدعم عند الحاجة، وأخيراً لا تنس الأجر عند الصبر على البلاء والاستسلام لأمر الله ….. نستكمل في هذه الحلقة الخامسة والأخيرة  أمرين هامين وهما: قضية النقل المتسارع للأخبار دون تروي ومدى تأثيرها النفسي على المتلقي، ثم نزيل المقال بأهم التوصيات التربوية والمجتمعية والحكومية للتعامل مع تلك الأحداث والمجريات لاحقاً …

إن القضية الأكثر خطورة على الفرد وعلى المجتمع في ظل هذا التصارع المعرفي والتكنولوجي لنقل المعلومات والأخبار عبر وسائل التواصل المختلفة هي قضية الكذب والافتراء ونقل الشائعات؛ فالعقل الإنساني ساعة الأزمات يكون مهيئ لتقبل أي شيء بلا نقاش أو مجادلة ينساق بعواطفه وراء الخبر في ظل عدم مصداقية بعض الوسائل الرسمية أو بالأحرى عدم ثقته في مصداقيتها، فيصدق ما هو كاذب ويؤمن بما هو غير منطقي ومع مضي الوقت قد يبرأ الإنسان من معتقداته الدينية التي يؤمن بها فقد أشارت دراسة حول سيكولوجيا الأوبئة، إلى ظهور بعض حالات التحول الديني بين المصابين بمرض الإيدز في وذلك في فترة التسعينيات؛ مما يلقي عل عاتق كل إنسان توخي الحذر والحيطة من نشر الشائعات وما أسرعها انتشاراً كالنار في الهشيم!! “الكذبة تقطع نصف الكرة الأرضية قبل أن تنتعل الحقيقة حذاءها” كما في المثل المعروف، وما أبلغ وصف القرآن لهؤلاء الذين لم ينتظروا أن بتلقوا الخبر بآذانهم؛  بل تلقوه بأفواههم كناية عن سرعة نقله عبر اللسان بغية الكذب والافتراء، دون مروره بالآذان، وتحسبوه أمراً بسيطاً سهلاً بل هو جلل عظيم وإن خصت الأية الكريمة من خاضوا كذباً وافتراً في حادثة الإفك  (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) النور 15

وفي الأخير …

يمكننا إعادة النظر في الكثير من الأمور منها: الاستعداد المسبق والتام لمثل هذه الطوارئ بإعداد الكوادر المناسبة المؤهلة خاصة في الجانب الطبي والنفسي، رفع كفاءة المعلمين وتدريبهم على التدريس عن بٌعد، وكيفية إعداد المواد التعليمية وعرضها، وآليات تقييم المتعلمين إلى ما ذلك من الاستراتيجيات المعدة لمثل تلك الأحوال والطوارئ، تقديم الورش والمحاضرات حول علم النفس الإيجابي وعلم نفس الأوبئة، وأساليب التفكير المنظم والمرونة وتحمل الضغوط، وفن إدارة الأزمات والتعامل معها، تنمية ثقافة الولاء والانتماء، والحث على ممارسة العمل التطوعي لدى النشء والشباب.. وتدريس الطلاب موضوعات كسيكولوجية الأوبئة والأمراض والكوارث وكيفية التعامل معها.. وتفعيل دور الاختصاصي النفسي والاجتماعي بالمدارس والجامعات والمستشفيات وعلى كافة القطاعات…فالسلامة النفسية ليست بمنأى عن السلامة الجسدية…..بل هما وجهان لعملة واحدة.

نسأل المولى عز وجل أن يرفع عنا هذه الجائحة، ويثبتنا على دينه ويحفظ بلادنا وبلاد المسلمين والإنسانية جمعاء من هذا البلاء والوباء، وأن يردنا إليه سالمين بالعافية، غانمين بالأجر… إنه على ما يشاء قدير…

والله ولي التوفيق وهو القادر عليه…

 

د/ ناصر القرنفلي

باحث نفسي

وزارة التربية ..دولة الكويت

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق